عبد الملك الجويني
81
الشامل في أصول الدين
أولا ، لا يعدم إلا بطرو ضده ، ثم لا يعدم الضد الطارئ إلا بطارئ آخر ، فلا يخلو الجوهر عن لون أو ألوان متعاقبة . وهذا ما عليه معولهم في إحالة تعري الجواهر من الألوان بعد قيامها بها . وهذا غير سديد لوجهين : أحدهما : أن ما قالوه من عدم الشيء بضده بني على فاسد أصلهم ، وهم غير مساعدين عليه . على أنا لو نقول : لو سلمنا لكم ما قلتموه جدلا ، لم يكن فيه مستروح ، إذ البياض السابق إلى الجوهر يعدم أولا ، ثم يعقبه السواد بعد عدم البياض . ولستم تقولون إن وجود البياض لا ينتفي إلا بعد وجود السواد ، إذ لو قلتم ذلك ، والتزمتم اجتماع الضدين ، لاستثبت لكم ما قلتموه ورمتموه من توقف انتفاء كل لون على وجود ضده . وإذا لم تقولوا ذلك ، وزعمتم أن عدم البياض يسبق وجود السواد ، فلا أثر إذا لوجود السواد في إعدام البياض . فهلا قلتم : إن البياض يعدم ، ويجوز أن لا يعقبه سواد ، مصيرا إلى جواز تعري الجواهر ؟ وهذا لا مخلص لهم منه . وهو مطرد على كل فريق من البصريين والبغداديين في جملة أجناس الأعراض . ومما نستدل به على البصريين أن نعتبر الألوان بالأكوان . وسبيل الاعتبار أن نقول : قد أعطيتمونا استحالة تعري الجواهر عن الأكوان ، فلا يخلو : إما أن يكون ذلك لقبول الجوهر للأكوان أو لنفس الجوهر . فإن كان لقبوله لها ، فهذا الوفق متحقق في الألوان ، فالتزموا قبول ما قلتموه في الأكوان . وإن زعمتم أن ذلك لنفس الجوهر ، فنفسه بالإضافة إلى الأكوان كنفسه بالإضافة إلى الألوان ، إذ لا ينفصل قول من قال : الجوهر لا يخلو عن اللون لنفسه ، من قول من قال : إنه لا يخلو عن الكون لنفسه ، والقولان متماثلان قطعا . فإما أن يبطلا أو يصحا ، وليس صحة أحدهما أولى من صحة الثاني . وإن زعم الخصم أن استحالة تعري الجواهر عن الأكوان معلوم ضرورة . قلنا : هذا لا يقدح في الدليل ، فإن المنظور فيه ، المستدل عليه ، يعتبر بالمعلوم ضرورة . على أنا نقول لخصومكم : ادّعى مثل ذلك في الألوان ، فإن أجسام العالم لو تركبت جملتها ومثلت بين عيني شخص ، وتعلقت بها رؤيته ، فلا بد أن تكون على هيئة ، ولون ، ومنظرة مخصوصة ، بحيث لو قدر طرو ألوان أخر عليها ، لاختلف المنظران ، كما يختلف منظر الأبيض والأسود ، فقد استوى القولان . والكعبي وأشياعه يدعون من الضرورة في الألوان ما ادعاه البصريون في الأكوان . وإن زعم الخصم أن الجوهر يتضمن الأكوان ، ولا يتضمن الألوان ، لم يكن تحت هذا القول